- قبول الاخر في واقع السودان المتعدد
بقلم ياسرابكر
المتابع لمجريات الاحداث في السياسه السودانيه يجد ان مصطلح قبول الاخر لم يرد ذكره في مراجعنا التاريخية ولا في اعرافنا الاجتماعيه الا في زمن الافلاس السياسي الاقتصادي الاجتماعي العاطفي ال......الخ فلم يتناهى إلى مسامعنا أنه قد كان دارجاً في عصر ازدهار مجتمعات إسلامية كما أنه لم يصل إلينا ما يشير إلى استخدامه في ثقافات سابقة. إذن نستطيع القول بأنه مصطلح حديثٌ نسبياً أو فلنقل بجملة تضعنا في صلب الموضوع إن المفهوم من ناحية الابتكار اللغوي لا يُعدُّ ابتكاراً إسلامياً وإن لم يكن كذلك فمن البديهي أن يكون حصيلة تجربةٍ إنسانيةٍ أخرى، سواءٌ كان خاصاً بتجربة مجتمع ما أم كان حصيلة تفاعلٍ بين مجتمعات مختلفة، فهو بذلك كغيره من المفاهيم المعاصرة وصلت إلينا عبر تجارب وخبرات الاخرين نتيجة لمعاناة مرَّت بها الشعوب وانتقلت حصيلة تلك التجارب إلينا، فمنها ما كان منسجماً مع أخلاقيات مجتمعنا ومنها ما كان مخالفاً لها، وبكلمةٍ أخرى أقول أن منها ما يفرض نفسه كقيمة حضارية إنسانية عامة، ومنها ما يتطلب منّا فحصه لمعرفه ما قد يحدثه من خلل بنيوي يتعارض مع مقوماتنا، فكون الابتكار اللغوي عموماً- لأي مصطلحٍ -ليس أصيلاً في مكونات تراثنا فإن ذلك لا يبرر نبذه أو تجاهله أو اتخاذ موقفٍ عدائيٍ مسبقٍ منه أو من أصحابه فقط لكونه مستحدثاً لا وجود لجذرٍ "لغويٍ" له في ثقافتنا، بل الأجدر بنا ان نتعمق في معانيه ثم الحكم بعد ذلك على المحتوى بموضوعية، فمدلول أي مصطلح هو الأولى بتحديد شكل موقفنا وليس حداثة الابتكار اللغوي، لأن هذه الحداثة لا تعني عدم وجوده في ثقافتنا أو ثقافات غيرنا بأشكال تعبيرية قديمة ومختلفة، وبالنسبة لقبول الآخر فإنه وحسب الاستخدام العام له – ما هو إلا إقرارٌ بحقيقة الاختلاف البشري وإيمانٌ بالتنوع الفكري سواءٌ أقررنا بأن هذا التنوع ضرورة أم اكتفينا بموقفٍ محايدٍ منه على أنه حقيقة واقعية لم يمكن ولا يمكن إلغاؤها!
هذا الاختلاف الذي قد يتراوح بين التباين الفكري – المتعلق بالفروع - ضمن المذهب الفكري الواحد وبين الاختلاف التام الذي يتجاوز الفروع إلى الأصول، مُباعداً بين النظريات الفكرية وبين أصحابها، انتهاءً بالاختلاف بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، لدرجة التباين بين الإيمان والكفر..فالمسألة مسألة وعيٍ لهذه الحقيقة الإنسانية، وطالما أن المسألة متعلقة بالوعي فهي حالةٌ فوق الاستلاب العقلي أو العاطفي، إن فهم ما يعنيه قبول الآخر يقتضي إدراك أن هذا القبول لا يتعدى من الناحية العملية سوى تفهُّم وجود هذا الآخر ولا يقتضي بأي حال من الأحوال اعتناق فكر هذا الآخر أو التماهي معه أو تحول صاحب فكرة القبول ليصبح هو نفسه ذلك الآخر! وكذلك فإن هذه المقولة لا صلة لها لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ بمفاهيم علاقة بين طرفين تحكمها حالة اعتداء أو حصار أو مؤامرة يقوم بها أحد الطرفين على الآخر كما يروِّج لذلك الرافضون للمقولة عند اتهامهم لأصحاب مقولة قبول الاخر في مجتمعنا السوداني مستوى التماهي مع المعتدي! إذ أنه من البديهي أن ترفض عدوان الآخر عليك في الوقت الذي تؤمن بحق هذا الآخر بالوجود، أما عندما تتحول المسألة إلى سؤال حول إيمانك بحقه بأن يلغي وجودك، فتلك مسألة أخرى يتم تحديد مفاهيمها والعمل عليها خارج مستوى هذه المقولة، ولنلاحظ فقط أن مسألة الاعتداء هذه لا تحدث فقط بين الأطراف المتناقضة فكرياً وحضارياً وإنما هي واردة الحدوث أيضاً بين من تجمعهم الأرض أو الدين أو المذهب الفكري كما حدث خلال مراحل مختلفة من تاريخنا، وبناءً عليه فإنه من غير الضروري أو المنطقي الخلط بين قبول الآخر – أياً كان هذا الآخر – وبين حالات الفتن والاعتداءات المتوقعة منه، فلتلك المسائل نقاشٌ من نوع آخر ولا ينبغي الخلط بينهما.
ومن هذا المفوهم يبقي اذن مضمون وجوهر قبول الاخر يتوافق مع جوهر الخطاب التوجيهي للقرآن حين يدعو الأنبياءَ وأتباعهم إلى تفهم الطبيعة البشرية، ولو أن القرآن لم يعبّر عن المضمون بنفس الصياغة إلا أنه لم ترد لفظة أو معنى ينقضان جوهر المصطلح الجديد الذي نتحدث عنه، كما لم يرد مصطلح آخر محدد ومضبوط يؤيد ما نتحدث عنه للدلالة على جوهر الفكرة وإنما تمت الدلالة على المعاني التي نتحدث عنها من خلال أجواء حوارية بين الأنبياء وأقوامهم، فعلاوة على دعوته تفهم هذه الطبيعة فلقد ذهبت الدعوة القرآنية أبعد من ذلك بأن يلتزم المسلم تبليغ رسالته متقبلاً حقيقة أنه لو شاء الله لجعل المختلفين أمةً واحدةً عندها لن يكون هناك مشكلة مع الآخر ولا في قبوله إذ لن يكون هناك آخرٌ نختلف معه "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل: )93، وتأكيداً على طبيعة الخلق هذه فإن القرآن يؤكد في مواضع عديدة أن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يؤمنون، بل إن أكثرهم معرضون وجاحدون "وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ" (يوسف: 103)، فهل يعد قبول المصلح لهذه الحقيقة الموضوعية سبيلاً لتقاعسه عن أداء مهمته في الإصلاح والتبليغ؟!
إن إدراك هذه الحقيقة هو صمّام الأمان الذي ربما !!!يفرّج كربته الشعب السوداني حين يقترب من اليأسّ!!! نتيجة الأوضاع البائسة، إنها الضمان الوحيد للتنوع والتعدد والاختلاف التي تحكمها ضوابط العيش المشترك مع ممارسة كل طرف حقّه في اعتناق ونشر ما يعتنقه من فكر، وهنا يكون القبول ضامناً للسلم الأهلي ولأجواء الاحترام والحرية الفكرية وهذا مالا يتفر في مجتمنا السوداني، ولا أظن بأن الدعوة الإصلاحية بحاجة لأكثر من هذه الأجواء كي تنتشر انتشار النار في الهشيم إن كانت قائمةً على أسس سليمة، بينما نستطيع أن نتوقع ما قد تنتجه أجواء مناقضة لهذه ابتداءً من رفض واقع التنوّع الديني والفكري، مروراً بالرغبة العاجلة في أسلمة المجتمع من خلال فرض الرؤية الأحادية إكراهاً على كل أطيافه الفكرية، انتهاءً بنشوء فكر إقصائي يعتبر قبول الآخر نوعاً من انتحار الذات، عندها ستكون التضحية بالآخر هي الجهاد الأكبر التي تسوق البشرية الي مذبحه، وبذلك فإنه ليس من المستغرب أن نُبادَل حين نكون نحن "الآخر" بأشكال مختلفة من الرفض والتضييق والإقصاء، بل لا عجب حينها بأن يقوم مخالفنا بالتضحية بنا في ساحة المذبحة نفسها! إن هذا القبول عندما يكون إيماناً بحقيقة الاختلاف، ما هو إلا تنظيمٌ للعلاقة بين المختلفين، بين المصلح والآخرين، فهو حالة تضمن التوازن الذي يجعل من جميع الأطراف على مسافةٍ واحدة ومضبوطة، نؤصِّلها عندما يكون المصلح هو من يمثل الآخر المختلف، كما نسعى لصونها عندما يكون المصلح هو صاحب الكلمة والسلطة في مجتمعه. فإذا كانت هذه الحالة من القبول مطلوبةً في أجواء كجو الآية التي ذكرناها عندما يكون المصلحون أقلية – بما عبر عنه بعبارة: "وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين " -، فهو مطلوبٌ أيضاً – من باب أولى – عندما يكونون أكثرية أو عندما تتوافر الفرص المتكافئة بين الإصلاح والمعترضين عليه، فإذا كانت الثبات على الحق مع التبليغ كافياً عند توافر أجواء القبول والرضى بوجود الآخر المختلف مستضعفاً، فعندما يكون قوياً منصوراً بأتباعه لا يحتاج لأكثر من هذه المقومات كي يؤتى نتائجه ويحقق أهدافه.
ولكن هل سيغيّر هذا القبول من طبيعة الدعوة وآلياتها في إعلاء كلمة الحق وتأثيم الباطل، أي هل سيتعارض هذا المفهوم مع جهر الإنسان بمبادئه والدفاع عن ما يعتبره معبراً عن جوهر وجوده في هذه الحياة؟! إن ما يجيب على هذا السؤال هو سيرة الأنبياء المؤصّلة قرآنياً، فهذا القبول لم يكن يوماً مقيِّداً لحرية التعبير والتبليغ، بل كان وعيّاً مطلقاً للحق وجهراً به وثباتاً عليه حرصاً على الأقوام، وفي الوقت نفسه قبول لحقيقة أن الواقع قد لا يكون في كثيرٍ من لحظاته في صف أصحاب الحق والفكر السليم، وإيمانا بأن طريق التبليغ طريقٌ واحد مهما كانت الظروف! أما بالنسبة لمن هم ليسوا بأنبياء، فإن نفسية القبول لابد وأن تأتِي معبرةً عن مدلولاتٍ أوسع ولكنها تخرج من الرحم نفسه، ولو استعرنا مشاهد الواقع لوجدنا بأن نفسية عدم القبول السائدة في واقعنا – والتي تظهر بأبسط أشكالها برفض السماع لأي آخر وسوء فهمه تعكس حقيقةً اعتقاد امتلاك الحق المطلق، هذا المطلق الذي أصبح مطيَّة لكثير من الناس في مجتمعاتنا، بشكل أصبح يحتار فيه المراقب والمتتبع لهذا المشهد في فهم طبيعة هذا المطلق والذي تستطيع كل فئة أو مجموعه احتكاره ثم يمكن تجزئته على اختلافاتٍ ضيقة ضمن مجموعات بل كيانات وللاسف الشديد بيوت وابواب وشبابيك!!،وبما أن القبول والسماع والتفهم، جميعها تعابير تعارض فكرة امتلاك الحق المطلق، عندها تصبح ثقافة القبول عبئاً ثقيلاً ينبغي التخلص منه بشكلٍ من الأشكال الغبن المبطن بالحقد الدفين، وأسلم هذه الأشكال وضعها في خانة القيّم الدخيلة المفروضة على ثقافتنا، اعتماداً على حداثة الابتكار اللغوي أحياناً، أو من خلال تقويل المقولة أكثر مما تقول حقيقةً، وتحميلها أكثر مما تحتمل، أوتحميلها في بعض الأحيان ما لا يمكن أن تحتمل، وربما إقحامها في مجالات بعيدة عن دائرة دلالتها لشلِّ فعاليتها لما تشكله بعض هذه المقولات من خطرٍ على بنيه فكرية ما هي إلا امتدادات تاريخيه لبنيه قديمة إقصائية باتت تقدم نفسها في كثيرٍ من الأحيان بصورةٍ " عصرية " مع الاحتفاظ بالمضمون، وهي دعوةٌ مرة أخرى إلى توريث المشكله نفسها عبر الاجيال والعصور فليست حداثة الابتكار اللغوي أو قِدَمه هي موضع الفصل في مجتمعنا وإنما هو المضمون، والمضمون فقط!.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
من قبل beIN SPORTS ٣٠ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٢
تونس تحقق فوزاً تاريخياً على فرنسا وتخرج من دور المجموعات من قبل beIN SPORTS ٣٠ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٢ ٠٧:١٤ 4:16 دقيقة حقق منتخب تونس فوز...
-
October 29, 2013 (JUBA)- Leaders from the disputed oil-producing region of Abyei, whose territorial ownership remains contested between ...
-
صحيفة الصدي مجلس المريخ يسخر من بيع الغربال ويحقق مع تيري وحمزة الإتحاد التونسي يخطر الكاف بتخوفه من تعرض الأفريقي لمخاطر ف...
-
السوداني: اختيار المكتب القيادي للوطني .. التفاصيل الكاملة بدء محاكمة (20) متهماً بجامعة حكومية لاختلاس 363.474 جنيها صحفي يعيد (720) ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق