بقلم د. محمد محمد الأمين عبد الرازق
ودعت البلاد ظهر اليوم، الموسيقار المحبوب محمد عبد الله محمدية، ومحمدية له تاريخ ناصع مع آلة الكمان ويعرفه جميع أهل السودان رجالا ونساء ولذلك فهو لا يحتاج إلى تعريف ، وقد أسهم بتفرد في إثراء وجدان السودانيين عبر نصف قرن من الزمان من خلال عمله في الإذاعة السودانية.. والحقيقة، مجرد ظهور محمدية في أي عمل فني، خاصة المرئي، يبعث الطمأنينة في النفوس، وذلك لجاذبية شخصيته وحلاوة ابتسامته التي لا ترتسم على وجهه، إلا بعد أن يرى البهجة على وجوه مشاهديه، وهم يتمايلون طربا مع نغمات تنساب من أنامله المبدعة، فكأن بهجته مرتبطة بطربهم لا تنفك عنه.. وفي لقاء بثته إذاعة البيت السوداني قال محمدية: الفن أعظم ما في الحياة.. ويمكن أن نضيف لهذه العبارة الجامعة، بأن الفن هو وسيلة التعبير عن الحياة، والحياة تعبر عن نفسها بأساليب كثيرة كالغذاء، والتناسل، ولكننا لا نسمي مثل هذه الأساليب فنا، لأنها القاعدة التي تشكلت منها حياة الحيوان في الإنسان، وإنما نطلق كلمة "فن" على كل تعبير راق عن حياة الفكر وحياة الشعور، اللتان يتميز بهما الإنسان عن الحيوان.. ولقد ارتبطت الفنون عامة، والموسيقى خاصة، عبر التاريخ، ولا تزال، باللهو، لقتل الوقت.. ولكن عندما أثيرت ظواهر بعض المفارقات الأخلاقية، والمخدرات وسط الشباب في إحدى الصحف، ونسبت إلى الوسط الفني، رد عليها فقيدنا الغيور على الفن بقوله: لا يجب أن ننظر إلى المسألة باعتبارها ظاهرة تخص الفنانين وحدهم لان السلوك الغير قويم في كل المجتمعات ويظهر في دائرة الضوء وله أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والاحتكاكات في كافة مناحي الحياة مضيفاً نتمنى أن يهزم الخير الشر في جميع مجتمعاتنا..
ويحدثنا الأستاذ محمود محمد طه بعمق حول اللحن بخاصة والفنون عامة، في كلمة افتتح بها معرضا للإخوان الجمهوريين عام 1976 م بمنزل السيد محمد فضل الصديق بالموردة :
: (والألحان على التحقيق، لأول مرة تعرض في معارضنا، واللحن أقدم من كل لغة، وأقدم من كل مخاطبة تتوجه إلى العقل.. واللحن في الحقيقة تتأثر به الحيوانات والنباتات، ومن المحقق أن هزاته تؤثر في الكون كله، حيث إن الكون كله لحن متحرك.. الصورة لحن مجسد ويمكن أن يقال أن اللحن صورة غير مرئية، والصورة لحن مرئي.. ولذلك فإن الصورة واللحن سيكسبان هذه الحركة الميمونة لونا جديدا من الحيوية، ولونا جديدا في الاتجاه إلى مخاطبة شعور الناس.. والشعور بطبيعة الحال سابق على الفكر، وأقرب طريق لإفهام الناس، هو مخاطبة شعورهم أولا، فإذا كانت المخاطبة من النوع المتسامي بالعاطفة، يستعد العقل لتقبل المعاني التي تطرح).. انتهى..
والألحان التي وردت في الكلمة أعلاه، هي ألحان الإنشاد العرفاني من غير موسيقى، وإبعاد الموسيقى لم يأت عفوا وإنما كان مقصودا إذ أنها ارتبطت في أذهان الناس بمجالس الأنس والسكر واللهو، بأكثر من ألوان الفنون الأخرى، ولذلك ابتعد الجمهوريون عنها إلى أن تعود إليها مكانتها مع التطور العام ..
وحول العلاقة بن الدين و الفنون جاء في الكلمة : (ومن غير شك، فإن الزواج بين الدين والفن زواج قديم، زواج أزلي، ولكنه لم يكن زواجا موفقا، كانت المناكفات فيه كثيرة، زيجة فاشلة كانت.. المناكفات ذهبت إلى أن تكون الأديان محرمة لألوان من الفنون، وحٌقّ لها أن تحرمها لأن الفنون انصبغت بمصاحبة اللهو، والديانات في عباداتها انصبغت، واتجهت لتصر دائما على نوع من الجدية ونوع من الانضباط.. ولكننا نحن في الدعوة الإسلامية الجديدة التي تقوم على بعث أصول الدين، نرى أن المسيرة ستتجه إلى رفع الحواجز جميعها، حيث يفضي الأمر في نهاية المطاف، إلى إعادة الأشياء كلها إلى الحل، إذ أن الحرمة، خاصة فيما يتعلق بالفنون، حكم عقلي.. الحكمة وراءه سوق الناس إلى الجد والانضباط بدل أن يتوزعوا، ويشتتوا خواطرهم باللهو، أو ما يدعو إلى اللهو.. وبطبيعة الحال، كل الحرمة من حيث هي، إنما هي حكم عقلي، وإذا استغنت العقول عن الحرمة، ترجع الأمور إلى الحل في نهاية الأمر "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ".. الفكر الإسلامي في تساميه يسير إلى أن يرتفق بكل ما في الوجود، ليصل إلى الله، لأنه ليس لله عدو، وليس لله ضد، وإنما كل الأشياء تسبح بحمده، وتسجد له، وتقدسه، وتكبره وتعبده، ولكننا نحن لا نفهم هذا التقديس وهذا التسبيح.. فإذا فهمنا، فإن كل الأشياء مطايانا إلى الله، وبصورة مؤكدة الفنون)..
اللهم أغفر لمحمدية وارحمه واحشره من محض فضلك مع العارفين من النبيين والصالحين..
د. محمد محمد الأمين عبد الرازق
منقول
ودعت البلاد ظهر اليوم، الموسيقار المحبوب محمد عبد الله محمدية، ومحمدية له تاريخ ناصع مع آلة الكمان ويعرفه جميع أهل السودان رجالا ونساء ولذلك فهو لا يحتاج إلى تعريف ، وقد أسهم بتفرد في إثراء وجدان السودانيين عبر نصف قرن من الزمان من خلال عمله في الإذاعة السودانية.. والحقيقة، مجرد ظهور محمدية في أي عمل فني، خاصة المرئي، يبعث الطمأنينة في النفوس، وذلك لجاذبية شخصيته وحلاوة ابتسامته التي لا ترتسم على وجهه، إلا بعد أن يرى البهجة على وجوه مشاهديه، وهم يتمايلون طربا مع نغمات تنساب من أنامله المبدعة، فكأن بهجته مرتبطة بطربهم لا تنفك عنه.. وفي لقاء بثته إذاعة البيت السوداني قال محمدية: الفن أعظم ما في الحياة.. ويمكن أن نضيف لهذه العبارة الجامعة، بأن الفن هو وسيلة التعبير عن الحياة، والحياة تعبر عن نفسها بأساليب كثيرة كالغذاء، والتناسل، ولكننا لا نسمي مثل هذه الأساليب فنا، لأنها القاعدة التي تشكلت منها حياة الحيوان في الإنسان، وإنما نطلق كلمة "فن" على كل تعبير راق عن حياة الفكر وحياة الشعور، اللتان يتميز بهما الإنسان عن الحيوان.. ولقد ارتبطت الفنون عامة، والموسيقى خاصة، عبر التاريخ، ولا تزال، باللهو، لقتل الوقت.. ولكن عندما أثيرت ظواهر بعض المفارقات الأخلاقية، والمخدرات وسط الشباب في إحدى الصحف، ونسبت إلى الوسط الفني، رد عليها فقيدنا الغيور على الفن بقوله: لا يجب أن ننظر إلى المسألة باعتبارها ظاهرة تخص الفنانين وحدهم لان السلوك الغير قويم في كل المجتمعات ويظهر في دائرة الضوء وله أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والاحتكاكات في كافة مناحي الحياة مضيفاً نتمنى أن يهزم الخير الشر في جميع مجتمعاتنا..
ويحدثنا الأستاذ محمود محمد طه بعمق حول اللحن بخاصة والفنون عامة، في كلمة افتتح بها معرضا للإخوان الجمهوريين عام 1976 م بمنزل السيد محمد فضل الصديق بالموردة :
: (والألحان على التحقيق، لأول مرة تعرض في معارضنا، واللحن أقدم من كل لغة، وأقدم من كل مخاطبة تتوجه إلى العقل.. واللحن في الحقيقة تتأثر به الحيوانات والنباتات، ومن المحقق أن هزاته تؤثر في الكون كله، حيث إن الكون كله لحن متحرك.. الصورة لحن مجسد ويمكن أن يقال أن اللحن صورة غير مرئية، والصورة لحن مرئي.. ولذلك فإن الصورة واللحن سيكسبان هذه الحركة الميمونة لونا جديدا من الحيوية، ولونا جديدا في الاتجاه إلى مخاطبة شعور الناس.. والشعور بطبيعة الحال سابق على الفكر، وأقرب طريق لإفهام الناس، هو مخاطبة شعورهم أولا، فإذا كانت المخاطبة من النوع المتسامي بالعاطفة، يستعد العقل لتقبل المعاني التي تطرح).. انتهى..
والألحان التي وردت في الكلمة أعلاه، هي ألحان الإنشاد العرفاني من غير موسيقى، وإبعاد الموسيقى لم يأت عفوا وإنما كان مقصودا إذ أنها ارتبطت في أذهان الناس بمجالس الأنس والسكر واللهو، بأكثر من ألوان الفنون الأخرى، ولذلك ابتعد الجمهوريون عنها إلى أن تعود إليها مكانتها مع التطور العام ..
وحول العلاقة بن الدين و الفنون جاء في الكلمة : (ومن غير شك، فإن الزواج بين الدين والفن زواج قديم، زواج أزلي، ولكنه لم يكن زواجا موفقا، كانت المناكفات فيه كثيرة، زيجة فاشلة كانت.. المناكفات ذهبت إلى أن تكون الأديان محرمة لألوان من الفنون، وحٌقّ لها أن تحرمها لأن الفنون انصبغت بمصاحبة اللهو، والديانات في عباداتها انصبغت، واتجهت لتصر دائما على نوع من الجدية ونوع من الانضباط.. ولكننا نحن في الدعوة الإسلامية الجديدة التي تقوم على بعث أصول الدين، نرى أن المسيرة ستتجه إلى رفع الحواجز جميعها، حيث يفضي الأمر في نهاية المطاف، إلى إعادة الأشياء كلها إلى الحل، إذ أن الحرمة، خاصة فيما يتعلق بالفنون، حكم عقلي.. الحكمة وراءه سوق الناس إلى الجد والانضباط بدل أن يتوزعوا، ويشتتوا خواطرهم باللهو، أو ما يدعو إلى اللهو.. وبطبيعة الحال، كل الحرمة من حيث هي، إنما هي حكم عقلي، وإذا استغنت العقول عن الحرمة، ترجع الأمور إلى الحل في نهاية الأمر "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ".. الفكر الإسلامي في تساميه يسير إلى أن يرتفق بكل ما في الوجود، ليصل إلى الله، لأنه ليس لله عدو، وليس لله ضد، وإنما كل الأشياء تسبح بحمده، وتسجد له، وتقدسه، وتكبره وتعبده، ولكننا نحن لا نفهم هذا التقديس وهذا التسبيح.. فإذا فهمنا، فإن كل الأشياء مطايانا إلى الله، وبصورة مؤكدة الفنون)..
اللهم أغفر لمحمدية وارحمه واحشره من محض فضلك مع العارفين من النبيين والصالحين..
د. محمد محمد الأمين عبد الرازق
منقول

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق